المشاركات

مقابلة مع د. سعدي المالح مدير عام الثقافة والفنون السريانية في إقليم كردستان العراق

                                                                                              أجرى اللقاء: جميل دياربكرلي    
19/02/2009  
   زار الدكتور سعدي المالح، المدير العام للثقافة والفنون السريانية في إقليم كردستان، مدينة حلب السورية للمشاركة في الحفل التأبيني لأربعينية الملفونو ابروهوم نورو، فانتهزنا هذه الفرصة وكان لنا معه هذا اللقاء:

* د. سعدي المالح اسم له شهرة أدبية وثقافية، فهل لك أن تعرفنا أكثر عن نفسك؟
- ولدت في عنكاوا (أربيل) ودرست فيها المرحلة الابتدائية ثم أكملت المتوسطة ودار المعلمين في أربيل. على الرغم من إنني تخرجت معلما إلا إني اتجهت منذ يفاعتي للعمل الصحفي وكتابة القصص وترجمة الأشعار وأصدرت مجموعتين قصصيتين في مقتبل شبابي. في العراق عملت صحفيا في كل من جريدتي التآخي وطريق الشعب، وهما أشهر وأهم جريدتين صدرتا في العراق في السبعينيات. ثم سافرت للدراسة إلى الاتحاد السوفيتي(السابق) في عام 1977 وهناك حصلت على الماجستير في الإبداع الأدبي من معهد غوركي للأدب، ثم على الدكتوراه في علم اللغة والأدب من معهد الاستشراق. وشاءت الظروف السياسية التي خيمت على العراق أن أبقى مغتربا ومتنقلا بين بلدان عديدة ( روسيا، اوزبكستان، لبنان، ليبيا، الإمارات العربية، كندا) لمدة 28 سنة إلى أن عدت إلى وطني في عام 2005. عملت في الخارج في عدة جامعات عربية وأجنبية ( جامعة طشقند وجامعة الفاتح بليبيا)أستاذا للأدب واللغة ومترجما للأدب (في الاتحاد السوفييتي السابق) ورئيسا للتحرير في أكثر من مجلة وجريدة في الإمارات وكندا. بعد عودتي إلى وطني عملت في البداية رئيسا لتحرير قناة عشتار الفضائية، ثم أستاذا للأدب المقارن في كلية اللغات بجامعة صلاح الدين بأربيل ، بعد ذلك أصبحت رئيسا لقسم اللغة الانكليزية في الكلية نفسها لسنة ونصف قبل أن أعين في نهاية عام 2007 مديرا عاما للثقافة والفنون السريانية بوزارة الثقافة في إقليم كردستان العراق.

* لا بد أنكم نشرتم خلال هذه السنوات الطويلة عددا من الكتب فما هي؟
- في البداية نشرت مجموعة قصصية تحت عنوان " حكايات من عنكاوا" كتبت في أوائل الثمانينيات، وترجمت هذه القصص إلى الروسية، وفي الفترة الأخيرة إلى السريانية والكردية. ثم روايتين وثائقيتين " أبطال قلعة الشقيف" و" يوميات بيروت" في الثمانينيات أيضا. ومجموعة قصصية أخرى عنوانها" مدن وحقائب" صدرت في عام 1993 في كندا. وفي الفترة بين عام 1985 و1990ترجمت أكثر من 12 رواية وقصة ومسرحية عن الروسية إلى العربية من أشهرها " ويطول اليوم أكثر من قرن" لجنكيز آيتماتوف. في عام 1998 أصدرت كراسين تاريخيين عن تاريخ عنكاوا وشعبنا السرياني الكلداني الآشوري أثارا نقاشات وردود فعل متباينة عديدة. وفي عام 2002 أصدرت روايتي " في انتظار فرج الله القهار" وهي رواية تتحدث عن القهر الذي تعرضت له مجموعات بشرية معينة في العراق منها أبناء شعبنا. ومنذ أواسط التسعينيات حتى عام 2005 كتبت عشرات المقالات في الشأن السرياني الكلداني الآشوري تخص الثقافة والتاريخ والسياسة والتراث والآداب والفنون وغيرها من المواضيع. وكنت من أوائل من دعا، في هذه المقالات، إلى الوحدة القومية والتسمية المركبة للخروج من مأزق التسميات المتعددة. منذ عام 2005 وللآن أعمل على كتابة دراسة توثيقية عن دور السريان الكلدان الآشوريين في الثقافة العراقية المعاصرة وقد انتهيت من كتابة أجزاء عديدة منها نشرت بعضها في الصحف والمجلات ومواقع الانترنت.

* زرت حلب ممثلا عن المديرية العامة للثقافة والفنون السريانية في إقليم كردستان العراق، متى تأسست هذه المديرية وما هي نشاطاتها؟
- تأسست المديرية العامة للثقافة والفنون السريانية في أواخر عام 2007 وافتتحت أبوابها في شباط 2008، وهي واحدة من مؤسسات وزارة الثقافة في الإقليم. وهيكلية مديريتنا العامة تتكون من أقسام تشمل الأدب والمسرح والموسيقى والإعلام والتراث الشعبي والفنون التشكيلية وثقافة الأطفال فضلا عن الأقسام الإدارية. وللمديرية العامة ثلاث مديريات فرعية في كل من محافظات أربيل ودهوك والسليمانية. مديرية أربيل تعمل منذ سنوات (كانت تعمل تحت اسم مديرية الثقافة الآشورية منذ 1997)، وقد فتحنا مؤخرا مديرية الثقافة والفنون السريانية في دهوك، أما مديرية السليمانية ستكون مفتوحة خلال عام 2009 وفقا لخطتنا. وأهدافنا هي إحياء تراثنا وثقافتنا القومية التي لاقت الإهمال والتهميش سنوات طويلة في العهود السابقة، وتطوير فنوننا وآدابنا وثقافتنا المعاصرة وتعريف الشعب الكردي والشعب العراقي والشعوب الأخرى بها، والأخذ بيد أدبائنا وفنانينا وتقديم المساعدات المطلوبة لهم لتقديم نتاجاتهم الفنية أو طبع كتبهم . ونحن في عملنا وسياستنا الثقافية لا نفرق بين أبناء هذه الطائفة أو تلك ولا بين مؤيد لهذه التسمية أو تلك، المهم تقديم عمل ثقافي بمقومات إبداعية وبلغتنا الأم أو عن لغتنا وثقافتنا. ومن نشاطاتنا خلال السنة الماضية 2008 إقامة حفلين تأبينيين لكل من الشاعر سرجون بولص والفنان عادل كوركيس، وتقديم أربعة عروض مسرحية لفرقة بخديدا وفرقة أور وفرقة مسرح الدمى وفرقة السفراء، وخمس ندوات ثقافية عن الصحافة السريانية والقصة السريانية والتعليم السرياني وحقوق المرأة ودور السريان في الثقافة العراقية، وعدد من الأمسيات الشعرية شارك في كل أمسية ما يزيد عن 15 شاعرا وشاعرة، وعدة محاضرات ثقافية في عدد من الجمعيات والنوادي السريانية في عنكاوا والقصبات السريانية الأخرى. ومعرض تشكيلي لعدد من فنانينا التشكيليين، وفتحنا دورة موسيقية شارك فيها أكثر من أربعين شابا وشابة من هواة الموسيقى في أمل تشكيل فرقة موسيقية تراثية خاصة بنا. وتطوير مجلة بانيبال وإصدار 4 أعداد جديدة منها، وأصدرنا عدة كتب قصصية وشعرية وغيرها من النشاطات التي كان آخرها مهرجان الفنان والشماس السرياني صليوا يلدا صليوا المعروف ب( سيوا) والذي دام يومين عرض فيه فيلم وثائقي عن حياته وألقيت فيه عدة محاضرات حول فنه.

* يشهد اقليم كردستان نهضة ثقافية سريانية كبيرة بفضل التفات الحكومة الكردستانية إلى شعبنا الكلداني السرياني الآشوري، فهل لكم أن تحدثونا عن بعض معالم هذه النهضة؟
- بصراحة من الممكن أن نقول إن الثقافة السريانية تنهض من كبوتها في الآونة الأخيرة ليس في العراق فحسب، وإنما في الدول المجاورة وفي دول الشتات أيضا. إلا أن ما يشهده إقليم كردستان العراق على نحو خاص، من نهوض ثقافي وأدبي وفني سرياني كلداني آشوري، لا يقاس بأية فترة زمنية سابقة. فالإقليم يشهد، بفعل دعم الحكومة الكردستانية والوعي القومي للمثقفين السريان الكلدان الآشوريين، تطورا ملحوظا في تعليم اللغة السريانية في المدارس الابتدائية والثانوية ولو بمستويات متباينة، وحركة نشر لا سابقة لها من كتب ومجلات وجرائد سياسية وثقافية وإن كان الكثير منها على حساب النوعية، ويشهد أيضا ظاهرة إعلامية ناشطة من إذاعات وتلفزيونات حزبية وحكومية، ونشاط ثقافي وفني عام من ندوات وأمسيات ومسرحيات ومعارض رسم وغيرها. هذا كله أدى إلى ظهور أدباء وشعراء وقصاصين وصحفيين يكتبون بالسريانية ومخرجين وممثلين يقدمون مسرحياتهم بالسريانية إضافة إلى إنتاج بعض الأفلام الروائية والوثائقية بالسريانية أيضا. صحيح أن بعض هذه الأعمال والنتاجات يعتورها الضعف والتسرع وتحتاج إلى مراجعة أسلوبية ولغوية إلا أنها تشكل ظاهرة ثقافية لم نشهدها من قبل. المثقفون الكلدان السريان الآشوريون كافة مدعوون في هذه المرحلة، أكثر من أي وقت آخر، للعب دورهم القومي والتاريخي والثقافي في نشر اللغة السريانية وتعليمها على أسس تربوية صحيحة بعيدة عن التأثيرات السياسية والطائفية، وتطويرها على الأسس العلمية والأكاديمية المتبعة في اللغات الحية الأخرى، السامية أو غيرها من اللغات، وتوحيد لهجاتها أو في الأقل العمل على تقريبها من بعضها البعض واعتبار مفرداتها مرادفات، فضلا عن اهتمامهم في التحول إلى الكتابة باللغة السريانية بدلا من اللغات الأخرى التي يكتبون بها، خاصة بالنسبة للشباب منهم الذين أمامهم فرص كبيرة لهذا التحول.

* كنتم أحد المؤبنين للملفونو ابروهوم نورو في الحفل الكبير الذي أقيم له في حلب، فمن هو بالنسبة للدكتور سعدي المالح؟
- كان ابروهوم من عشاق اللغة السريانية وأساتذتها وعلمائها النابغين، إذ علّمها سنوات طويلة في كل من حلب ودمشق وبيروت والقدس وبغداد وغيرها من المدن. وأبتكر طريقة جديدة لتعليمها بأسلوب سمعي بصري أسّماها طريقة السولوقو. ويعد كتابه المعنون(تولدوثو سرييتو) أي المصطلحات السريانية المستحدثة من ابرز المؤلفات اللغوية في السريانية المعاصرة ، وهو كتاب يتضمن أكثر من ألف مصطلح مع أمثلة قياسية. أما مساهمته في إغناء قاموس (دليل الراغبين في لغة الآراميين) المطبوع حديثا تحت عنوان (قاموس كلداني – عربي) للمطران أوجين منـّـا بإضافة ملحق خاص إليه يتضمن 2100 كلمة ومصطلح جديد، وتأليف قاموس عربي سرياني على شاكلته فهو الآخر واحد من الاعمال اللغوية الكبيرة في عصرنا. لقد شارك الفقيد في المؤتمرين الأخيرين للغة السريانية في كل من دهوك عام 2007 وماردين 2008 من خلال بحثين قيمين في اللغة السريانية. في دهوك عندما اعتلى المنصة أثناء تكريمه وقفت له القاعة إكراما وتقديرا وعجت بالتصفيق، فألقى في المجتمعين كلمة مؤثرة عن لغتنا السريانية الجميلة. أما في ماردين فكان دائما مركز اهتمام الجميع يستقطب إليه العلماء والمفكرين لينورهم بما يمتلك من ذخيرة لغوية. برأيي برحيل أبروهوم نورو فقدت اللغة السريانية واحدا من أعلامها وعلمائها الكبار، وتكريما له ـ كما قلت في كلمتي التأبينية- سنسمي مؤتمرنا القادم للغة السريانية الذي سينعقد في بيروت في أواخر أيلول المقبل مؤتمر الملفونو أبروهوم نورو، كما وسنصدر ملفا خاصا عنه في العدد المقبل من مجلتنا "مجلة بانيبال" التي تصدر عن المديرية العامة للثقافة والفنون السريانية تقديرا لنتاجاته اللغوية والثقافية.

* ماذا لمستم في حلب بعيد زيارتكم لها؟
- لمست كل الحفاوة والتقدير من قبل لجنة الحفل التأبيني ومطرانية السريان الأرثوذكس، وخاصة سيادة المطران يوحنا إبراهيم، الذي اجتمعت إليه وعرّفته بمديريتنا العامة ونشاطاتها، وزرت في الوقت نفسه مدارس ومؤسسات المطرانية، وبعض المواقع الأثرية في حلب. فضلا عن كل ذلك فأن حلب مدينة عريقة بتاريخها وثقافتها وحياتها الاجتماعية وأطباقها اللذيذة.

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة © omidoyo تعريب وتطوير جيست ويب